الراغب الأصفهاني
382
الذريعة إلى مكارم الشريعة
مدح السعي وذم الكسل من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية ، بل من الحيوانية ، وصار من جنس الموتى ، وذلك أنه إنما خص الإنسان بالقوى الثلاث ليسعى في فضيلتها ، فإن فضيلة القوة الشهوية تطالبه بالمكاسب التي تنميه ، وفضيلة القوة الغضبية تطالبه بالمجاهدات التي تحميه ، وفضيلة القوة الفكرية تطالبه بالعلوم التي تهديه ، فحقه أن يتأمل قوته ، ويسبر قدر ما يطيقه ، فيسعى بحسبه لما يفيده السعادة ويتحقق أن اضطرابه سبب وصوله من الذل إلى العز ، ومن الفقر إلى الغنى ، ومن الضعة إلى الرفعة ، ومن الخمول إلى النباهة . وأن من تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة ( فحب الهوينا يكسب النصب ) ، وقد قيل إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلا تتعب ، وقيل إياك والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقا ، وإن ضجرت لم تصبر على الحق . قال الشاعر : إن التواني أنكح العجز بنته * وساق إليها حين أنكحها مهرا فراشا وطيئا ثم قال لها اتكي * فقصرا كما لا شك أن تلدا الفقرا وقال يزيد بن المهلب : ما يسرني أن كفيت أمر الدنيا كله لئلا أتعود العجز ، ولأن الفراغ يبطل الهيئات الإنسانية ، فكل هيئة بل كل عضو ترك استعماله يبطل ، كالعين إذا غمضت ، واليد إذا عطلت ، ولذلك وضعت الرياضات في كل شيء . ولما جعل اللّه تعالى للحيوان قوة التحرك لم يجعل له رزقا إلا بسعي ما منه ، لئلا تتعطل فائدة ما جعل له من قوة التحرك . ولما جعل للإنسان قوة الفكرة ترك من كل نعمة أنعمها تعالى عليه جانبا يصلحه هو بفكرته ، لئلا تبطل فائدة الفكرة ، فيكون وجودها عبثا .